azzaman
2006/01/15
... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

وليمــــــــــة وحريـــــــــــر وعــــــش عصافير

وليمــــــــــة وحريـــــــــــر وعــــــش عصافير
تيسير نظمي
قاص من فلسطين
1- قبل أن تقع الكارثة
الدودة التي ستتخلق في جثتي لتعيش بضعة أيام أو أسابيع فقط ، الدودة التي ستدعو غيرها لتلك الوليمة ، ستتكاثر في صمتي ، الديدان سوف تسرح وتمرح في جمجمتي في خلايا عقلي ، والتي تعبت أكثر من نصف قرن كي أعتني بها ، أفكر بها ،وفي عيني اللتين دربتهما علي الرؤي الخلاقة الجميلة ، نفس العينين اللتين كانتا تدمعان أو تفرحان للقيا الناس، لن يرحمهما الدود المتكاثر في مماتي ، تماماً مثلما لم يرحمهما في حياتي . الدود الكثيف الذي سينغل نغلاً في القبر مسكين وزائل بمجرد أن يصل إلي العظم وتنتهي الوليمة الموسمية و اللحم رغم قلته فإنني اليوم مشفق عليه فلم أستطيع أن أوفر له وليمة أفضل تطول ليبقي أو يعيش مدة أطول بغير ناحل العظم وقفص صدري يغطيه الجلد وليس حوله كثيراً من اللحم. الدود الذي سيمخر قلبي ليجد دماً جافاً متجلطاً ، ليس بوسعه الاستفادة من دواء الآيزورديل ولا البافارين والأسبرين ومميعات الدم. الدود سيعيش بمجرد موتي، تماماً مثلما كان يعيش بمجرد صمتي . الدود تحت التراب مسكين ومخدوع لأن الدود فوق الأرض يحاذر ويبقي وله حظ أوفر رغم أنه قد يجوع . الدود الذي سيأتي مغدوراً لن يكون بوسعي مساعدته أو الاحتفاء بوجوده واستقباله والرأفة بمصيره ، ذلك أنني لن أكون موجوداً عندما يأتي ومع ذلك سنبقي أنا وهو ونهاياتنا جميعاً تحت التراب. وفوقنا جميعاً سيدوس العابرون وقد تسقط القنابل وتشتعل الحروب وفوقنا جميعاً سوف تهب الرياح ويتساقط المطر وفوقنا جميعاً ستشرق الشمس، وجميعاً الذين تحت التراب وفوق التراب يدور بنا كوكب واحد في فضاءات مجهولة. يا لوحدتنا وخلودنا الأبدي فكل ما نخشاه أن يندفع كوكب أو نجم آخر دون دقة ودون مواعيد نحو كوكبنا بتهور غير محسوب وبالتالي قد يصطدما ، والنتيجة ، أننا سنذهب أشلاء في فضاء سحيق . يا للحسرة إن حدث هذا واشتاقت عظمة من عظامي للأخري، فكيف سنتبادل في الفضاء السحيق حينذاك التحيات ونشد أيادينا علي أيادي الأصدقاء والغرباء والأشلاء ؟ بل كيف سيتصرف الدود الذي سيبقي علي قيد الحياة ؟ هل سيطير رذاذاً في الفضاء مثل أشلاء مركبة فضاء فشلت في العودة ؟ هل سيكون هنالك أوكسجين كاف لاشتعالنا نحن جميعاً والتراب والأخشاب وبقايا ثمر عن شجر لم يتمكن الناس بعد من قطفه ؟ ليس الدود ما يقلقني وإنما المصير الذي نحن ماضون إليه، الغافلون عنه . إن ما يقلقني أن لا تصبح السماء زرقاء وكذلك مستقبل البحر إذا ما كف عن كونه بحراً وتلاشي في حرارة الشمس وصار بخاراً أو ماء لا نفع منه، كيف سوف تفرق حينئذ كائنات فضائية مجهولة بين الدود والماء والسماء؟
ما أتعس الدود الذي هو غافل عن هذه الاحتمالات والتوقعات، فقد كنت أظن في السنوات الخمسين الماضية أن لا وجود لمن هو أتعس حظاً مني وإذا به الدود حقاً أشد تعاسة وأكثر قتامة في مصيره منا.
سوف لا ينتبه الحمار إلي هذه المعضلة، الحمار الصبور الكتوم الذي لم تخطر بباله هذه الفكرة و كل هذه الاحتمالات والتوقعات مع أنها حقيقة . والمؤلم أنها حقيقة لن ندركها أو نقنع البشرية والعالم بأنها قائمة وسوف تأتي ليس شرطاً بالطبع نتيجة أسلحة دمار شامل أو نتيجة قصف علي غرار هيروشيما وناكازاكي أو الحرب علي العراق، وإنما سوف تأتي يوماً ما علي غفلة تماماً مثلما يأتينا الموت الكريم دونما موعد ودونما استئذان، ومع ذلك ، هل الحياة حقاً جميلة أيتها الديدان التي لن أري ولن أحس بل هل هي جميلة حقاً كما قال ناظم حكمت ذات يوم للديدان التي فوق التراب تنغل أو تحرمه من طعام جاءت به رفيقته له علي بوابات سجن بورصة ذات صقيع ولم يعلم به أو يحس سخونته أو يذوقه كي يستعد جسده لإسعاد الديدان ؟ إن في الأمر ما هو مقلق حقاً أيتها الدودة البشرية.
إن الأمر لجد مقلق إذا أيقظتنا كائنات فضائية ذات يوم ما تزال تعبر طريقها إلينا منذ ملايين السنين لتقدم لنا النصيحة والدواء والحكمة وسعة الأفق . فلربما هي أيضاً سترانا ليس أكثر من ديدان إذا ما قورنا نحن البشر بها وبسرمديتها وخلودها . كم أنا سعيد لأنني استبقت طفلاً فضائياً في هذا التعاطف الكوني مع الديدان، فثمة من لا يري فينا نحن البشر فوق هذا الكوكب أكثر من ديدان فوق التراب، لتراه الديدان تحت التراب . من الحكمة إذن أن نري الديدان تحت التراب الآن فوراً لأننا سوف لن نراها حين تكون وقد لا نري من هم خارج إدراكنا الآن وإن كانوا يغذون الخطي ويقطعون المسافات بسنوات ضوئيـــــة نحونا قبل أن تقع الكارثة.

Azzaman Newspaper --- Issue 2307 --- 16 / 1 / 2006

جريدة (الزمان) --- العدد 2307 --- 16 / 1 / 2006

AZP09

Editor in Chief   Saad Albazzaz
تصويت
ما الذي سيحصل في العراق اذا طبق قانون الاقاليم؟
استقرار العراق
انتهاء العنف
تفتت العراق
انهيار الامن



   مقال فاتح عبد السلام 

Alefyaa
Alsharqiya TV
alsharqiya.com
International Edition الطبعة الدولية
Iraqi Edition طبعة العراق